You are here

هل تتعارض بنود قانون مكافحة الإرهاب الخاصة بالمنح مع المبادئ الإنسانية؟

بينما تسلك المنظمات الإغاثية طريقاً شائكاً جداً في مسعاها لتوفير الإغاثة للمجتمعات في فلسطين، فإن مبادئ القانون الدولي الإنساني – الإنسانية، عدم التحيز، الحياد والإستقلال، تلوح دائماً بشكلٍ كبير في الأُفق. إن هذه المبادئ ليست أهدافاً سامية فحسب، لأن فعالية إيصال الدعم تعتمد على الالتزام بها، ولهذا السبب فقد أصبح لزاماً على أي منظمة إغاثية، سواء أكان مركزها في فلسطين أو في أي مكان آخر، أن تكون على إلمام تام بهذه المبادئ. هناك أيضا ميزة إضافية لفهمها، إذ بالإمكان إستخدامها كأساس لمواجهة بعض بنود مكافحة الإرهاب ذات الإشكالية في التعاقدات مع المانحين، سواء أكان تمويلهم من مصادر حكومية أو خاصة.

 

لنكن واقعيين، في العادة يُنظر إلى المانحين على أنهم عنصر ثمين وليسو حجر عثرة، إذ أنه وبدون كرمهم، فإن أغلب منظمات الإغاثة الإنسانية لن تتمكن من الإستمرار. وعلى الرغم من أن المانحين يقومون بتوفير الموارد اللازمة لهذه المنظمات لتنفيذ مهامها الإنسانية في إنقاذ الأرواح، إلا أن تعاقداتهم هذه بإمكانها أن تتسبب لهم بالمشاكل عند تنفيذها. 

 

إن المنظمات المعنية بالإغاثة الإنسانية ومنظمات بناء السلام على علم تام بإنتشار البنود الخاصة بمكافحة الإرهاب في المنح  والتعاقدات، وكثير من هذه المنح والتعاقدات تتطلب إضافة نفس هذه البنود حتى في التعاقدات الفرعية مع الشركاء المنفذين. إن هذه البنود بإمكانها أن تؤدي إلى وضع عراقيل حقيقية  في طريق عمل هذه المنظمات، وذلك عند إلزامهم بالقيام بفحوصات أمنية، المراقبة وإصدار التقارير.  

 

من الضروري جداً التمييز بين الإجراءات الواجب إتخاذها، والذي تتوخاه المنظمات غير الربحية، وبين المتطلبات الإضافية التي تفرضها عليها تعاقداتها مع المانحين. إن مجموعات الإغاثة تقوم وبشكل مستمر بتنفيذ سلسلة من الخطوات لضمان وصول الدعم الى المستفيدين المعنيين. إن كل منظمة تقرر الخطوات اللازم إتخاذها إستناداً إلى نوع المخاطر. إن هذه المجموعات تخضع أيضاً لقوانين بلادها، والتي تطلب منهم في العادة ضمان ألا يؤدي عملهم إلى مساندة جهات موضوعة على قوائم "إرهابية". على الرغم أن القيام بمثل هذه الفحوصات الأمنية ليست هي القاعدة في عمل هذه المنظمات الإنسانية، وبالرغم من أن بنود قوانين مكافحة الإرهاب في التعاقدات تشير إلى هذه الإجراءات على أنها واجبة التنفيذ، إلا أن هذه المنظمات تقوم بأكثر من اللازم لأجل التقليل من إحتمال تحولهم لأداة لنقل هذه المخاطر من الجهات الداعمة إلى الجهات المنفذة. فعلى سبيل المثال، فإن أحد العقود بين مؤسسة وإحدى منظمات الإغاثة ينص على الاتي: "يُذكر [المستفيد] بأن الأوامر التنفيذية للحكومة الأميريكية والقانون الأميريكي، يحظران التعامل مع/ وتقديم الموارد لأفراد أو منظمات مرتبطين بالإرهاب. إن المسؤولية القانونية تقع على عاتق المُتلقي لضمان الإلتزام بهذه الأوامر التنفيذية والقوانين. وينص كذلك على أن المستفيد يتحمل مسؤولية الحصول على قائمة الكيانات الإرهابية المحدثة التي أعتمدها الأمر التنفيذي الأميريكي رقم 13224، ومراجعتها، وذلك لدى شراء بضائع أو خدمات. بعض البنود الأُخرى قد تتطلب من متلقي المنح بأن "يشهد"، "يُثبت"،"يضمن" الامتثال لكل سياسات وقوانين مكافحة الإرهاب ذات الصلة.

 

جميع مجموعات الدعم التي تواجَه بهذه البنود، تُجبَر حينئذ للقيام بمواءمة التزاماتهم التعاقدية تحت مظلة القانون الإنساني الدولي مع واجباتهم. في حال عدم تمكنهم من القيام بهذه المواءمة، فإنهم  قد يضطرون عندها لإتخاذ القرار الصعب بعدم دعم السكان الذين يتعرضون للمخاطر في بعض المناطق، كما في حالة فلسطين مثلا، والتي تسيطر عليها مجموعة تعتبر "إرهابية" حسب القوانين الأميريكية. وفق دراسة أجرتها جامعة هارفرد عام 2014، "دراسة تحليلية في البنود المعاصرة لقانون مكافحة الإرهاب الخاصة بعقود إتفاقيات المنح الإنسانية والشراكة"، فإن بعض المنظمات الإنسانية خلُصت إلى أن بنود قانون مكافحة الإرهاب تخل بحيادهم و/أو تضع شركائهم المنفذين في موضع الخطر.

 

المبادئ الإنسانية

إن الالتزام بالمبادئ الإنسانية في أي منطقة نزاع قد يشكل تحدياً كبيراً. وقد يتسبب الالتزام ببنود معينة في قانون مكافحة الإرهاب بمشاكل إضافية في هذا الخصوص، وبالنتيجة يؤدي للتأثير سلباً على فعالية المنظمات، وعلى حقوق المستفيدين.

 

الإنسانية

إن الأساس في العمل الإنساني هو الحق الأصيل في الكرامة لكل شخص. يتوجب على المنظمات الإغاثية العمل على منع وتخفيف المعاناة الإنسانية أينما وجدت. فمثلا، حينما تسعى مجموعة إغاثية للعمل في فلسطين، وكما في أي مكان آخر، فيجب عليها أن تعمل وفق مبدأ الإنسانية.

 

الحياد

إن الحياد، وهو أحد المبادئ الإنسانية، يعني الإمتناع عن أخذ جانب أي طرف في النزاع. العاملين في الحقل الإنساني يجب ألا يكونوا في أي وقت من الأوقات طرفاً في الخلافات، سواء كانت هذه الخلافات ذات طبيعة سياسية، عرقية، دينية أو أيديولوجية. إن هذا المبدأ يعتبر غاية في الأهمية للعمل بحيادية. إن بنود بعض المانحين التي تتطلب من منظمات الإغاثة الإفصاح عن معلومات خاصة حول شركائهم ومستفيديهم، تقوض حيادية هذه المنظمات. العديد من العقود تذهب لما هو أبعد من ذلك بمحاولة توجيه الولاءات السياسية الخاصة بالمستفيدين. إنه لمن البديهي أن توجيه تمويل المنح لمؤسسات ذات توجه سياسي معين، يشكل خرقا لمبدأ الحيادية.

 

عدم التحيز

عدم التحيز يعني بأن يتم إيصال المعونات فقط إستناداً إلى الحاجة. يجب أن يتم إيصال الدعم بشكل حيادي تام، بغض النظر عن العِرق، النوع الإجتماعي، الجنسية، الدين، الأُصول الإثنية، الإنتماء السياسي ومجموعة أُخرى من العوامل. إن المنظمات الإنسانية ليست بصدد إصدار أحكام الذنب أو البراءة بحق مستفيديها المحتملين، فهذه إعتبارات هي غير ذات صلة بعملهم.

فعلى سبيل المثال، إن كان بند من قانون مكافحة الإرهاب يتطلب من منظمة ما إجراء فحص أمني لمستفيديها للإشتباه بصلتهم بمجموعات معينة، فإن هذ الإجراء ينافي فكرة أن المساعدات يجب أن يتم إيصالها بدون تحيز. قد يمنع بند من البنود هكذا منظمة من العمل في غزة على سبيل المثال، لأن حماس قد تم تصنيفها على أنها مجموعة إرهابية، بينما غزة هي الأكثر إحتياجاً للمساعدة الإنسانية.

 

الإستقلال

 

إن هذا المبدأ يفرض على المنظمات أن تحافظ على استقلالية تامة عن أهداف أي مانح، سواء كان هذا الهدف سياسيا، إقتصاديا، عسكريا أو غير ذلك. إن الأهداف السياسية أو الإقتصادية للمانحين يجب ألا تنعكس على العمل الإنساني، ويتوجب على المنظمات إتخاذ قراراتها فيما يخص من يتلقى الخدمة والكيفية والمكان.

بإتباع طريق الإلتزام بالحياد، الإستقلال و عدم التحيز، فإن جميع أطراف نزاعٍ ما، تفهم بأن مجموعات الإغاثة ليست طرفاً في هذا النزاع. قد يكون من المستحيل العمل ضمن هذه المبادئ كل الوقت، فقد يفرض الوضع على الأرض أحياناً بعض الحلول الوسط. إن العمل الإنساني يصبح شائكا جداً في كثير من الأحيان.

 

تأثير البنود

إن بنود قوانين مكافحة الإرهاب قد تتسبب بتعريض سلامة الشركاء المنفذين المحليين للخطر، وتحويل الموارد المخصصة للدعم لاتجاهات أُخرى، وقد تؤدي أيضاً للتصادم مع المبادئ الإنسانية. فعلى سبيل المثال، إن البنود التي تتطلب من الشركاء المنفذين المحليين القيام بفحوص أمنية، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، قد تساهم في خلق اعتقاد بأنهم يقومون بجمع معلومات إستخبارية للولايات المتحدة الأميريكية أو حكومات أُخرى، مما قد يتسبب بتعريض سلامة الشركاء المحليين للخطر. طبقاً لملخص سياسات صادر في 2011 عن معهد تنمية ما وراء البحار (ODI)، فإن هذه البنود تُصعِب على هذه المنظمات أن تُقبل محلياً، والذي بدوره يؤدي الى صعوبات في الوصول إلى المستفيدين.

على سبيل المثال، في العام 2008، تم طرد منظمتين إغاثيتين أميريكيتين من مناطق يسيطر عليها تنظيم الشباب في الصومال بسبب الإدعاء بأنهم يقومون بالتجسس وجمع المعلومات الإستخبارية. طبقاً لملخص السياسات الصادر عن معهد تنمية ما وراء البحار (ODI)، فقد قامت منظمات الإغاثة التي تعمل خارج إطار التمويل الحكومي برفض البنود التي تتطلب منهم القيام بفحوصات أمنية مفصلة لكيانات محلية أوللمستفيدين، وقامت بإضافة بنود مفادها أن لا شيء في العقود سيمنعها من القيام بعملها دون تحيز.

 

العديد من البنود قد تتطلب القيام بفوصات أمنية لمجموعة أوسع من الشركاء المنفذين، لضمان عدم وجودهم على قوائم "الإرهاب".  وعلى الرغم أن مجموعات الإغاثة الإنسانية عادة ما يقومون بمثل هذه الفحوص تجاه شركائهم المنفذين، إلا أن بعض بنود التعاقدات قد تطلب شمل المتطوعين، أعضاء مجالس إدارة، مانحين آخرين وحتى المستفيدين إلى قائمة الأشخاص والكيانات التي يجب فحصها. وعلى الرغم من أن القيام بهذه الفحوصات الإضافية يتطلب الكثير من العبء الوظيفي وساعات كثيرة من العمل الإضافي، بل وقد يتطلب توظيف طواقم إضافية، إلا أن المانحين قد لا يقوموا بتخصيص التمويل الإضافي اللازم لهذه الأعباء الإضافية التي تتسبب بها بنودهم. وبخلق هذه الخطوات المرهقة الإضافية المطلوب إتخاذها قبل إيصال الدعم، فإن هذه البنود تؤدي إلى تحويل إتجاه الموارد المخصصة لمنظمة ما إلى إتجاهات أُخرى غير العمل الإنساني، أو قد تتسببب بتأخير تنفيذ المشروع، وبالنتيجة الى إضعاف فعالية عملها.

 

والأهم من ذلك، فإنه وبإجبار مجموعات الإغاثة الإنسانية ومجموعات بناء السلام على القيام بالأخذ بالإعتبارات السياسية، والقيام بتعديل أو إلغاء المشاريع إستناداً إلى هذه الإعتبارات، فإن هذه البنود تقوض قدرة هذه المجموعات على القيام بأعمالهم بشكل حيادي ودون تحيز. إن عمليات الفحص الأمني هذه قد تؤدي إلى خلق منظور بأن هذه المجموعات تأخذ جانب أحد الأطراف في النزاع، وتبعات هكذا منظور قد تصيب عمل المنظمات الإنسانية في مقتل.

 

مفاوضات التعاقد بعيون إنسانية

يتوجب أولاً على المؤسسات غير الربحية الأخذ بالأعتبار الكيفية التي تؤثر فيها بنود معينة في قانون مكافحة الإرهاب على إتفاقاتهم مع المانحين في حفاظهم على الحياد، الإستقلال وعدم التحيز، مع الإستمرار في أدائهم لعملهم بإنسانية. فقط عندها يستطيعون الوصول إلى أفضل الطرق للتفاوض على التعديلات في هذه العقود بالطريقة التي تمكنهم من الإلتزام بالمبادئ الإنسانية أثناء أدائهم لعملهم. طبقاً للدراسة التي أجرتها جامعة هارفارد عام 2014، قام بعض الداعمين، وبشكل يدعو للسخرية، إلى تغليف بنود قانون مكافحة الإرهاب، بغلاف المبادئ الإنسانية، مع تشديدهم على ضمان وصول الدعم إلى المستفيدين المعنيين. على المنظمات أن تكون على وعي تام بهذه البنود، وكيف يمكن لهذه البنود أن تتدخل بعملهم.

تشير دراسة هارفارد إلى أن اللغة المستخدمة في الكثير من بنود قانون مكافحة الإرهاب، هي لغة مبهمة وغير واضحة بدرجة كافية لإعطاء المجال لتفسيرات مختلفة. إن عبارات مثل "أكبر جهد"، "جهود معقولة" و"حسن النية" قد تعطي المجال لمنظمات العمل الإنساني للتفاوض حول إلتزامات محددة ستُفرض عليهم. تستطيع مجموعات الإغاثة من خلال هذه النقاشات التشديد على أن خطوات الحرص والإحتياطات الحالية التي يأخذونها، هي خطوات كافية لتجنب تحويل مسار موارد الدعم، وأن الإلتزام بالمبادئ الإنسانية يمكنهم من القيام بعملهم بشكل أكثر فعالية. من حسن الحظ، فإن هذه المبادئ الإنسانية والتي تنطبق في جميع حالات النزاعات المسلحة، تحظى بإعترف دولي، ومنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني من خلال إتفاقات جنيف و بروتوكلاتها الإضافية، و/أو من خلال القانون الدولي العرفي.

 

يجب على المجموعات العاملة في فلسطين بناء مهاراتهم وخبراتهم ليتمكنوا من التعامل مع جميع هذه القضايا، وإستشراف المخاوف التي قد تطرأ، ليس فقط لأسباب أخلاقية، ولكن أيضا لضمان فعالية عملهم.

 

سيرة ذاتية

آندريا هول هي محامية لديها من الخبرة ما يزيد عن العشرة أعوام في الكتابة والتحرير لمنشورات حول الإمتثال التنظيمي الأساسي. وهي تشغل منصب منسق لدى منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة لإلغاء عقوبة الإعدام، وقامت بتنسيق نشاطات حملة منظمة العفو الدولية، من مناصرة، تشكيل مجموعات ضغط، وتنظيم المؤسسات القاعدية، والتي أدت إلى إلغاء عقوبة الإعدام في ولاية ميريلاند.

السيدة هول حاصلة على بكالوريوس في الإتصال من جامعة ترينيتي في سان أنتونيو بولاية تكساس، وإجازة الحقوق من جامعة ريتشموند، حيث كانت المحرر للمقالات الرئيسية لنشرة (The Law Review)، كما وقد أنشأت مؤسسة قانون المصلحة العامة، كما وحصلت على جائزة (Nina R. Kestin) للخدمة عند تخرجها، وهي عضو في نقابة محامي ولاية فيرجينيا.

قانون دولي انساني، مساعدات

إضافة تعليق جديد