You are here

تدمير المساعدات – هي قضية مساءلة واضحة وصريحة

بقلم ديبورا كاسالين

سيكون من المنطقي في حال تدمير المساعدات ان تظهر الدول المانحة حماسة حيال مساءلة الجهة المسؤولة عن ذلك الفعل حتى وإن كان بغرض محاولة استرجاع اموال دافعي الضرائب فيها (وفي الوضع المثالي من أجل أن تعيد استثمار هذه الأموال وفقا لأهدافها الأصلية).

تشكل عملية  استرجاع ما تم تدميره (بمعنى استبداله) او الحصول على تعويض مقابله (إعادة تسديد قيمته) المطالب (راجع المواد 34-36) الرئيسية التي يمكن لدولة ما التقدم بها في حال تعرضها لخسائر نتيجة أفعال دولة أخرى بشكل مخالف للقانون الدولي. وفي حال شكلت هذه الأفعال انتهاكا جسيما لأحد القواعد المطلقة للقانون الدولي (والتي تتضمن القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني)، قد يكون لكل لدول (راجع الجزء الثاني ، الفصل الثالث) مصلحة في الموضوع وعليها ان تتعاون من اجل إنهاء الخروقات.

يوجد القانون الدولي الإنساني دلالات وافتراضات تقتضي بأن تدمير المساعدات يعتبر امرا غير قانوني. وبشكل عام، فإن تدمير ممتلكات شعب يقبع تحت الاحتلال هو امر محظور (ويشمل ذلك حالات وأوضاع من قبيل هدم المنازل). وفي النزاعات النشطة، تعتبر الهجمات العسكرية (القصف الجوي على سبيل المثال) أمرا غير قانوني إن كانت عشوائية وتستهدف أهدافا مدنية او يمكن التوقع بأنها ستتسبب بآثار غير متكافئة. وبما ان المشاريع الممولة من خلال المساعدات هي مدنية بشكل واضح لا يقبل الجدل (إلا ان تم تغيير استخداماتها بشكل جذري)، فإن الحاق الضرر او تدمير هذه المشاريع يثير أسئلة جدية حول قانونية هذه الأفعال.

وفي اي من الحالتين هناك بالطبع استثناءات على القواعد والمبادئ (الضرورة العسكرية المطلقة في حال تدمير الممتلكات و"الإضرار الجانبية" لهجوم متكافئ على هدف عسكري بشرط ان يكون قد تم اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية (راجع الأحكام 14-21). ولكن يبقى مطلوبا من الجهة التي تزعم بوجود مثل هذه الظروف الاستثنائية ان تقدم البراهين والحجج لتثبت ذلك.

إن إنفاذ وتطبيق هذه المطالبات بين الدول هو امر صعب جدا. ولكن عندما يحدث التدمير والضرر بشكل متكرر، فإن التقدم بطلب استرجاع ما تم تدميره إلى حالته الأصلية او طلب الحصول على تعويضات من خلال القنوات الدبلوماسية هو اقل ما يمكن لدولة مانحة ان تقوم به حتى تترجم اقوالها إلى أفعال.

مراكمة ديون معدومة

يعتبر تدمير المساعدات في غزة والضفة الغربية قضية طويلة العهد ففي آذار من العام 2012، كشف الاتحاد الأوروبي ان القوات الإسرائيلية قد قامت في الفترة م بين 2001 و2011 بالحاق الضرر او تدمير بنى تحتية ممولة من قبل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بكلفة قاربت 29.4 مليون يورو. وقد تم ذلك بشكل أساسي خلال العمليات العسكرية التي حدثت اثناء الانتفاضة الثانية ومن ثم خلال عملية الرصاص المصبوب (راجع القائمة الكاملة للأضرار هنا) .

وقد طالب الاتحاد الأوروبي بتعويضات في بعض الحالات التي كانت المشاريع فيها قيد العمل (بالرغم من عدم الحصول على أي تعويضات) ولكن الاتحاد الأوروبي اوضح عدم قدرته على المطالبة بمثل هذه التعويضات في حالة كانت ملكية المشروع قد انتقلت للجهة المستفيدة.

وخلال نفس الفترة تقريبا، زادت وتيرة التقارير الصادرة حول هدم المشاريع الممولة من خلال المساعدات في المنطقة المصنفة "ج" من الضفة الغربية وحول التهديدات والمخاطر التي تحف بتلك المشاريع. وتم لاحقا  احتساب الخسائر نتيجة لهدم وتدمير المشاريع الإنسانية الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي في الفترة ما بين 2010 وكانون ثاني 2014 حيث بلغت قيمتها 84000 يورو وهو ليس بالمبلغ الضخم نسبيا ولكن اهميته تكمن في تأثيره الملوس على ارض الواقع.

 

مواجهة التدمير في منقطة ج، احتساب الكلفة في غزة

في أيار من العام 2012، قام وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف مشترك يعارض (الفقرتين 5 و6) تدمير المساعدات في المنطقة ج. واوضح وزراء الخارجية في جينه بأن الاتحاد الأوروبي سيواصل تقديم المساعدات هناك وانه يتوقع ان يتم حماية هذه الاستثمارات. وكانت تلك اشارة واعدة من الاتحاد الأوروبي بالبدء في توظيف قوته وثقله ضد القيود المفروضة من قبل الاحتلال بشكل ينتهك القانون الدولي.

والتزم الاتحاد الأوروبي سريعا بموقفه هذا واتبعه برزمة مساعدات بقيمة 7 ملايين يورو للمنطقة ج (خصصت في اغلبها لمشاريع البنية التحتية صغيرة الحجم ولدعم قدرات السلطة الفلسطينية في مجال التخطيط) بالإضافة إلى تقديم المساعدة القانونية للمستفيدين ودعم آلية المراقبة والمتابعة. وبدأ الاتحاد الأوروبي بالترافق مع الدول الأعضاء، وبشكل رئيسي فرنسا وبلجيكا وبولندا، بإعلاء الصوت حول المشاريع المهددة او المتضررة. وفي الوقت ذاته بدأت مشاورات في بروكسل حول تقديم طلبات الحصول على تعويضات بشكل منهجي.

وفي هذه الأثناء، قامت اسرائيل بشن عملية عامود السحاب على قطاع غزة في تشرين ثاني من العام 2012. وقدر الاتحاد الأوروبي، فقط من خلال احتساب الأضرار الظاهرة حيث ان ما خفي كان أعظم، قيمة الخسائر نتيجة للدمار الذي لحق بالمشاريع الممولة من قبله بمبلغ 112500 يورو في هذا السياق. ولكن لم يتم الإشارة إلى أي خطة للمتابعة ولم يتم الإدلاء بأي كلمة حول الموضوع بعد ذلك.

هل اقترب الاتحاد الأوروبي من استحضار مشروع قانون خاص بالمنطقة ج؟

بالرغم من كل الجهود المذكورة إلا أن التدخل في المساعدات المقدمة من قبل الاتحاد الأوروبي في المنطقة ج لم تتراجع بالمجمل، بل على العكس من ذلك فقد تم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2015 هدم عدد من المشاريع يقارب عدد المشاريع التي تم هدمها خلال كل العام 2014 تقريبا مما أدى إلى خسائر إضافية تقدر بسبعين الف يورو. وتظل مساعدات تقدر قيمتها ب1.5 مليون يورو مهددة بخطر الهدم. ولحماية هذه المساعدات، قام الاتحاد الأوروبي برسم توجه مشترك يتضمن آلية رقابة ومتابعة محسنة ونظام ممنهج لردود الفعل على التهديدات من خلال القنوات الدبلوماسية والمساعدة القانونية. اما بالنسبة للتعويضات، فسيكون بمقدر الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء التقدم بطلب الحصول عليها "في حال ان تدخل الاتحاد الأوروبي مع اسرائيل لم يفضي إلى تجميد ملموس لعمليات الهدم." 

ولكن على ماذا ينطوي هذا التدخل وما هي النتائج التي تحققت منه؟

نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مؤخرا تقريرا حول "حوار منظم" بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل حول المنطقة ج والذي اقترحه الاتحاد الأوروبي في اواخر العام 2014 وتم قبوله فقط بعد ثمانية اشهر من طرحه. وحسب التقرير، فإن اسرائيل وافقت على هذا الحوار بشرط ان يركز على القضايا الاقتصادية وينأى عن قضية المستوطنات وأن يظل على مستوى منخفض التمثيل. أي أنه لن يكون هناك الكثير مما يبلغ عنه للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، خاصة وان مقترح الحوار جاء في سياق قلق الاتحاد الأوروبي من تطورات اعتبرت "خطا احمرا" في المنطقة ج (وتتضمن توسع النشاطات الاستيطانية في مناطق حساسة والتهجير المنوي القيام به للتجمعات البدوية من المنطقة المعروفة بـE1).

لقد مر ما يقارب العام منذ طرح المقترح الأصلي للحوار ولم يتم تحقيق اي تغيير إيجابي مستدام على الأرض. ويتمتع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بالعديد من قنوات الحوار الرسمية الأخرى والقضايا قيد النظر ليست بالجديدة بأي شكل من الأشكال. إلا أن قدرة الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على المطالبة بتعويضات عن تدمير المساعدات تبدو وكأنها مرتبطة بهذه العملية والتي لا يعرف لها أي إطار زمني، هذا إن وجد أصلا.

ماذا بالنسبة لقطاع غزة؟

ما زال حجم الدمار للبنى التحتية الممولة من قبل المساعدات في غزة في أعقاب العمليات العدائية التي اندلعت في تموز/أب من العام 2014 مجهولا. وكان من المتوقع ان يتم إصدار النتائج الأولية لعملية حصر وتقييم الأضرار المشتركة (التي قادتها حكومة الوفاق الفلسطينية وشارك فيها كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي) في بداية العام 2015 ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن. إلا أن مفوضية الاتحاد الأوروبي اشارت فعلا بأن محطة معالجة الصرف الصحي الطارئة في شمال قطاع غزة (والممولة من قبل الاتحاد الأوروبي وغيره من المانحين) قد لحق بها أضرار بقيمة 123000 دولار أمريكي. ولكن حتى الآن ما زالت هناك اسئلة بدون إجابات حول طبيعة وسبب هذه الخسائر وكيف سيتم ضمان القيام بعملية المحاسبة إن كان اللوم سيلقى على من يلعب  بشكل مخالف للقوانين.

وبقدر ما تظهر فيه عملية المحاسبة عن التدمير في الضفة الغربية على أنها معلقة ، إلا انا تبدو غائبة تماما في قطاع غزة، وذلك لسببين اثنين رئيسيين

أولا ، الطائرات الحربية من طراز F16 لا تخلف ورائها مستندات يمكن تتبعها. أما حالات  هدم المشاريع الممولة من خلال المساعدات في المنطقة ج  فهي تستند إلى سياسات إدارية معروفة ومتواصلة – بما في ذلك إنفاذ وتطبيق نظام التخطيط الذي تفرضه اسرائيل والذي بدوره يخدم مشروع الاستيطان. ومن الواضح جدا بالنسبة لأوروبا بأن التدمير القائم على هذه الشروط لا ينطبق عليه اي معيار من معايير الضرورة العسكرية ويقر الاتحاد الأوروبي بانها "تخالف القانون الدولي" (الفقرة 2). وبالمقابل فإن الدمار في قطاع غزة جاء بشكل أساسي نتيجة للعمليات العسكرية. وفي هذه الحالات، وتحديدا في غزة المعزولة، تصبح عملية تحديد الحقائق من الخارج أكثر صعوبة ويالتالي فإنه يصبح أسهل على المرء أن يفسره بسهولة  على انه شكل من أشكال  النتائج المحزنة للحرب.

ثانيا، إن الإرادة السياسية للاتحاد الأوروبي في العمل في منطقة ج يدفعها هدف الاتحاد الأوروبي المثمثل في حل الدولتين. وقد دفع هذ المنطق الاتحاد الأوروبي  إلى تبني موقف أكثر علانية وحزما حيال المستوطنات ولكنها لم تكن فاعلة في حشد الجهود في غزة بالرغم من الإدراك بأن صلة قطاع غزة/الضفة الغربية (راجع الفقرة 3) هي عنصر أساسي ضمن هذا الهدف.

بالتالي فإن قطاع غزة يواجه عقبات قانونية وسياسية إضافية لا تمكنه حتى من المطالبة بهذا الجزء النزير من العدالة. ولكن مع تبنى الاتحاد الأوروبي مؤخرا للمساءلة كحجر زاوية للسلام وبالتالي فإنه سيتم مواصلة القاء الضوء مثل هذه لقضايا.

إن لم يقم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بالمباشرة في تأسيس المساءلة (المدنية) عن الأفعال التي تلامس مصالحها هي نفسها، ، فمتى سيبدأون؟. ولغايات المضي قدما، فإنه يجب تحديد وقائع التدمير بدقة قدر الإمكان. ويجب طرح الأاسئنة الصعبة على الجهات المسؤولة وان يتم المطالبة بالحصول على تعويضات وعلاجات إن كانت الإجابة غير مرضية.

غزة

Deborah.jpeg

Description: 

لمحة عن المؤلف/ة:

تقيم ديبورا كاسلين في بروكسل بصفتتها مسؤول السياسيت ومستشار القانون الدولي الإنساني  لمجموعة عمل إسرائيل-فلسطين التابعة  للإئتلاف الدولي لمنظمات التنمية الكاثوليكية التابع لمنظمة التعاون الدولي للتنمية والتضامن  CIDSE. وقد عملت ديبورا سابقا، من ضمن أشياء اخرى، في الحركة الدولية للصليب الأحمر/الهلال الأحمر في جنيف وفي مؤسسة دولية إنسانية في القدس الشرقية. تحمل ديبور شهادة الماجستير في الحقوق من أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

إضافة تعليق جديد