You are here

نيفين وأطفالها ... بين ويلات الحرب وحياة الصفيح والتشرد

 
غزة | نورهان المدهون
 
اختارت لها الحياة عالماً من الفقر والبؤس والشقاء، وزرعت في نفسها الصغيرة آثاراً لن تستطيع نسيانها أو تناسيها رغم مرور السنين، الطفلة نورهان الشنبارى (3 سنوات) التي ضاقت بها وبعائلتها السبل، ورغم حداثة عمرها، إلا أنها تستعد من الان لمجابهة الحياة في معركة الوجود، فقد فتحت الصغيرة عينيها لتجد نفسها بين جدران الكرفان الصفيح.
 
تبدو على نيفين الشنباري (38 عاماً) والدة الطفلة نورهان ملامح الشقاء والتعب، فهي أم لأحد عشر طفلاً، سبعة ذكور وأربع إناث، دَمر العدوان الأخير على قطاع غزة بيتها في منطقة بيت حانون شمال قطاع غزة.
 
تروى الشنباري تفاصيل معاناتها وعائلتها: "أغرقتنا مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي في الشتاء، ومع فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة التهب الكرفان وبدا وكأنه كتلة من اللهب".
تجلس الشنبارى على حافة درج الكرفان الذي يرتفع عن الأرض قليلاً وتسنده حجارة متآكلة،وتسترجع ذكرياتها قائلة: "في الحرب رأينا الموت بأعيننا مراراً وتكراراً، فقد فررت وعائلتي هاربين إلى مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، ومن ثم انتقلنا إلى مدارس بيت حانون بعد انتهاء الحرب، وفيما بعد طُردنا منها بالقوة، لنجد أنفسنا في صندوق من الصفيح أسموه سكناً بديلاً (الكرفان)".
 
تتابع: "الحرب شتت شملنا بعد أن كنا نعيش في بناية واحدة يتجمع فيها أهل زوجي وأخوته، والآن فقدنا كل مانملك من بيت ومصدر رزق، حيث كان لدينا بقالة صغيرة نعتاش من عائدها، أصبحنا بلا مأوى وبلا مصدر رزق ، ولم نحصل على أي تعويضات من الجهات المانحة".
 
ظنت الشنباري أن انتهاء الحرب سيُنهي معاناتها، ويعود الأمان والاستقرار، ولم تكن تعلم أنها ستبدأ رحلة عذاب جديدة، فلديها مشكلة تؤرقها وعائلتها وهى تراكم فواتير المياه والكهرباء، التي تقف حائلاً أمام استخراج الأوراق الثبوتية والتراخيص اللازمة ليندرج اسمها ضمن كشوف منح الإعمار.
 
تقف الطفلة نورهان أمام والدتها وتحدق بعينيها الصغيرتين، فتجذبها والدتها إليها وتكشف عن أجزاء من جسدها، فقد أنهكتالأمراض الجلدية وشدة الحرارة جسدها الصغير.
 
تقول نيفين: "مراكز الإيواء والكرفانات غير آمنة ولاتصلح للحياة، وهى مرتع للآفات والحشرات والديدان، فقد أصاب طفلي ذو السنوات العشر مرض السحايا، وكدت أن أفقده لولا عناية الله، وكُسرت يد طفلتي، وانزلق طفلي الأكبر على الأرض وكُسرت ساقه، فحياتيوأطفاليباتت بمثابة سلسلة من العيش النكد والأوجاع".
 
تنظر الشنباري بحسرة إلى أطفالها الذين التفوا حولها، وقلبها يعتصر ألماً على حالهم، فقد ضعف تحصيلهم الدراسي بعد أن كانوا من المتفوقين، وذلك بسبب وضعهم المعيشي الصعب، وعدم توفر سبل الراحة والاستقرار والأجواء المناسبة.
 
شاركت الدموع حديث الشنباري وهي تردد: "لابيت يأوينا، ولا ملابس تستر عوراتنا، وأصبحنا نعيش على الصدقات والمساعدات التي يرسلها إلينا أهل الخير وبعض المؤسسات، لقد تجرعنا مرارة الذل".
 
تقترب الطفلة نورهان من والدتها، وتحاول الاتكاء عليها وكأنها تواسيها، فتربت الأم على كتف طفلتها، وتكمل: "كلي أمل أن أتخلص من جحيم الكرفان، وأن تلتفت الجهات المعنية لمعاناتنا، ويتم إدراجنا ضمن منح الإعمار، لنحصل على أبسط حقوقنا بتوفير مسكن وبيئة آمنة لنا ولأطفالنا".
 
تبدو نيفين عاجزة أمام معاناة أطفالها الأحد عشر، فلا هي تملك وسيلة لجعلهم سعداء، ولا هي تحمل لهم وعداً بذلك، تركز نظرها نحو صغيرتها نورهان التيقضى المحتلون على طفولتها،وأجهزوا على براعم غصنها الغضّ، وجعلوها تعيش حياةالتشرد دون مأوي، ولسان حالها يقول: "هل من فرجٍ قريبٍتعود به حياتنا إلى طبيعتها، متى يعُاد إعمار منزلنا؟ وهل من مسؤول ذو ضمير أو جهة تتحمل مسؤولياتها نحونا؟".